مع اقتراب مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، يعود إلى الواجهة سؤال مركزي طالما جرى الالتفاف حوله: أين يتبوّأ الموظف موقعه داخل أولويات الدولة؟ ورغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، لا يزال الموظف—بوعيه، كفاءته، وتفانيه—في منزلة «مفترض» لا «مقرّر» داخل السياسات العمومية.
من منظور نادي الموظف، لا يمكن فصل النقاش حول المالية العمومية عن الشرط البشري. فالحديث عن تحديث الإدارة ورقمنتها وتحسين جودة خدماتها يبقى خطاباً غير مكتمل ما لم يُدرج العنصر البشري في قلب الإصلاح، باعتباره الرافعة الحقيقية لأي تحول مؤسسي. الموظف ليس مجرد بندٍ في كتلة الأجور، وإنما يُعد رأس مالاً اجتماعياً واستراتيجياً يُؤطّر وينفّذ اختيارات الدولة.
ومع ذلك، تكشف المؤشرات الواقعية تآكلاً واضحاً للقدرة الشرائية للموظفين في ظل غلاء يلتهم الأجور، مقابل زيادات محدودة لا تواكب مستوى الأسعار. أما ورش إصلاح منظومة الأجور—الذي رفع سقف التطلعات—فلا يزال مُعلّقاً بين لجان تقنية غير مُعلنة وتعهّدات عامة بلا أفق زمني واضح.
ويتجاوز الإشكال البعد الأجري إلى تفاصيل أكثر عمقاً، أبرزها غياب عدالة مهنية تضمن تكافؤ الفرص في الترقي والتكوين والتحفيز، واستمرار هشاشة الوضعية المهنية لفئات واسعة من المتعاقدين الذين يشتغلون في بيئة النفسية فيها مقلقة، بحكم غياب ضمانات الاستقرار والمسار. هذه المفارقات تولّد شعوراً عاماً بأن الموظف أقرب إلى «معطى محايد» منه إلى شريك في البناء.
إن نادي الموظف يرى أن مشروع قانون المالية 2026 يمثل فرصة لإعادة ترتيب منظومة التقدير المؤسسي؛ فالإدارة الحديثة لا تقوم على البرامج الرقمية فقط، وإنما تعتمد أيضاً على تمكين الكفاءات التي تسيرها. كما أن التحفيز هو آلية ضرورية لتجويد الأداء وتطوير الخدمة العمومية.
وهنا تتجلى الحاجة إلى رؤية مالية-اجتماعية تُنصِف الموظف عبر مراجعة شاملة للمنظومة الأجرية، على أساس من العدالة والاستدامة، وتحسين شروط الترقي والتكوين المستمر، مع إقرار تحفيزات مادية ومعنوية مرتبطة بالمردودية، فضلا عن تثمين الكفاءات الناشئة من خلال مسارات واضحة وآمنة، وكذا إدماج البعد الاجتماعي ضمن الهندسة المالية الجديدة
وفي انتظار أن تُترجم هذه المبادئ إلى قرارات، يواصل نادي الموظف نهجه القائم على الابتكار الاجتماعي لخدمة موظفي الإدارة العمومية، من خلال مبادرات تسعى إلى تخفيف أعباء الحياة اليومية للمنخرطين وتعزيز شعورهم بالانتماء. غير أن هذه المبادرات، مهما اتسعت، تبقى عوضاً محدوداً عن مسؤولية الدولة في صون كرامة موظفيها.
فهل سيكون مشروع قانون المالية 2026 كاسراً لهذه الحلقة، ومُؤسِّساً لعقد اجتماعي جديد بين الدولة وموظفيها؟ أم سيظل وفياً لمنطق «التحكم المحاسباتي» الذي ينظر إلى الموظف كتكلفة لا كطاقة؟
إن الجواب ليس تفصيلاً تقنياً؛ وإنما اختصار لمستقبل الإدارة المغربية، ولمدى قدرتها على التحول من إدارة مهام إلى إدارة قيمة.
ومتى وُضِع الموظف في مكانه الطبيعي داخل السياسات المالية، يحق لنا أن نؤمن بأن الإصلاح بدأ فعلاً.

