في سياق التحولات المتسارعة التي يعرفها مرفق العدالة بالمغرب، برزت محطة جديدة تؤكد توجه المؤسسة القضائية نحو ترسيخ الرقمنة كخيار استراتيجي، وذلك من خلال تنظيم أول عملية انتخابية إلكترونية لاختيار ممثلي الجمعيات المهنية للقضاة لعضوية مجلس التوجيه والمراقبة لمؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية للقضاة وموظفي السلطة القضائية. هذه الخطوة، التي جرت يوم 25 مارس 2026، لم تكن مجرد إجراء تقني عابر، بل شكلت اختباراً عملياً لمدى جاهزية المنظومة القضائية للانخراط في التحول الرقمي.
وقد مرت هذه العملية في ظروف تنظيمية محكمة، عكست مستوى عالياً من التنسيق والانخراط المسؤول من طرف القضاة، الذين أبانوا عن تفاعل إيجابي مع هذا النمط الجديد من التصويت. فاعتماد النظام الإلكتروني لم يقتصر على تسريع العملية الانتخابية فحسب، بل ساهم أيضاً في تكريس معايير الشفافية والدقة، من خلال تقليص احتمالات الخطأ وضمان مصداقية النتائج.
ومن جهة أخرى، أتاح هذا النمط من الاقتراع إمكانيات أوسع لمشاركة القضاة، حيث أصبح بإمكانهم الإدلاء بأصواتهم دون الحاجة إلى التنقل أو التأثير على سير العمل داخل المحاكم. وهو ما يعكس وعياً متزايداً بأهمية التوفيق بين متطلبات المهنة والانخراط في تدبير الشأن المهني، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها طبيعة العمل القضائي.
ولا تقف أهمية هذه المبادرة عند حدود تنظيم الانتخابات، بل تمتد إلى ما يمكن أن تفرزه من تحولات على مستوى تدبير الخدمات الاجتماعية الموجهة لأسرة العدالة. فإفراز ممثلين منفتحين على التحول الرقمي من شأنه أن يساهم في تطوير عروض أكثر استجابة لانتظارات القضاة، سواء في مجالات التغطية الصحية أو السكن أو الخدمات الترفيهية، بما يواكب التحولات المجتمعية والتكنولوجية.
إن هذه التجربة، بما تحمله من دلالات، تؤكد أن رقمنة المرافق العمومية لم تعد خياراً مؤجلاً، بل أصبحت ضرورة ملحة تفرضها متطلبات النجاعة والشفافية. كما تعكس في الآن ذاته توجهاً واضحاً نحو تحديث آليات اشتغال المؤسسات الاجتماعية، باعتبارها رافعة أساسية لتحسين ظروف عمل وحياة الموظف المغربي.
وبين الرهانات المطروحة والتحديات المنتظرة، يظل نجاح هذه الخطوة مرهوناً بقدرة مختلف الفاعلين على تثمينها وتطويرها، بما يضمن استمرارية هذا المسار ويعزز ثقة المهنيين في جدوى التحول الرقمي، ليس فقط كأداة تقنية، بل كمدخل حقيقي لإصلاح عميق ومستدام.

